الشنقيطي

468

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ثم ذكر رحمه اللّه لقياس الشبه الفاسد أمثلة أخرى في الآيات الدالة على أن الكفار كذبوا الرسل بقياس الشبه حيث شبهوهم بالبشر ، وزعموا أن ذلك الشبه مانع من رسالتهم ؛ كقوله تعالى عن الكفار أنهم قالوا : ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا [ هود : 27 ] ، وقوله تعالى عنهم : ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ [ المؤمنون : 33 ] الآية . إلى غير ذلك من الآيات . فالمشابهة بين الرسل وغيرهم في كون الجميع بشرا لا تقتضي المساواة بينهم في انتقاء الرسالة عنهم جميعا ، ولما قالوا للرسل ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [ يس : 15 ] أجابوهم بقولهم : إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [ إبراهيم : 11 ] . وقياس الكفار الرسل على سائر البشر في عدم الرسالة قياس ظاهر البطلان ؛ لأن الواقع من التخصيص والتفضيل ، وجعل بعض البشر شريفا وبعضه دنيا وبعضه مرؤوسا وبعضه رئيسا وبعضه ملكا . وبعضه سوقا - يبطل هذا القياس ؛ كما أشار إليه جواب الرسل المذكور آنفا ، يشير إليه قوله تعالى : أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 32 ) [ الزخرف : 32 ] وهذه الأمثلة من قياس الشبه ليس فيها وصف مناسب بالذات ولا بالتبع ؛ فلذلك كانت باطلة . ثم ذكر ابن القيم رحمه اللّه : أن جميع الأمثال في القرآن كلها قياسات شبه صحيحة ؛ لأن حقيقة المثل تشبيه شيء بشيء في حكمه ، وتقريب المعقول من المحسوس أو أحد المحسوسين من الآخر واعتبار أحدهما بالآخر . ثم سرد الأمثال القرآنية ذلك فيها واحدا واحدا ، وأطال الكلام في ذلك فأجاد وأفاد . وقال في آخر كلامه : قالوا فهذا بعض ما اشتمل عليه القرآن من التمثيل والقياس ، والجمع والفرق ، واعتبار العلل والمعاني وارتباطها بأحكامها تأثيرا واستدلالا . قالوا : وقد ضرب اللّه سبحانه الأمثال ، وصرفها قدرا وشرعا ، ويقظة ومناما ، ودل عباده على الاعتبار بذلك ؛ وعبورهم من الشيء إلى نظيره ، واستدلالهم بالنظير على النظير ؛ بل هذا أصل عبارة الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة ، ونوع من أنواع الوحي ؛ فإنها مبنية على القياس والتمثيل ، واعتبار المعقول بالمحسوس . ألا ترى أن الثياب في التأويل كالقمص تدل على الدين ! فما كان فيها من طول أو قصر ، أو نظافة أو دنس فهو في الدين ؛ كما أول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم القميص بالدين « 1 » والعلم ، والقدر المشترك بينهما أن كلا منهما يستر صاحبه ويجمله بين الناس .

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي سعيد الخدري : البخاري في الإيمان حديث 23 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 15 .